Overblog
Edit post Follow this blog Administration + Create my blog

رُب شرارة أحرقت السهل كله - M. L. M

المدونة الماوية ★ ضد التحريفية

الضرورة و الحرية و الإمكانية و الواقع

 

 
ما من شك ان الماركسية تنظر الى مسألة الحرية من زاوية مختلفة و بالنتيجة إن مفهومها للحرية يختلف عن مفاهيم المدارس الفكرية الاخرى (الإرادية و القدرية) فالإرادية اعطت الإرادة البشرية الاسبقية و الفضل و الدور الحاسم في تغيير العالم دون اخذ ظروف الواقع الموضوعي بالإعتبار ومفهومهم القاصر للحرية يتمحور حول عدم تقييد ارادة الانسان ـ في حين أن القدرية أخضعت الإنسان للقضاء و القدر و ان كل شيء قد قدر وكتب سلفاً من البداية الى النهاية فهو بالتالي عبد للضرورة القدرية ولا يستطيع تغيير الواقع لان هذا فوق ارادته ويخضع لإرادة عليا خارجة عن نطاق ادراكه و مقدرته.

و في هذا التصور تجد الطبقات الرجعية ضالتها لإخضاع الطبقة الكادحة وتعميق مفهوم القدرية لكبح جماح القدرة على التغيير من خلال تأطير و تنظيم نفسها على نحو يعبر عن مصالحها الطبقية . ويعمل ايدولوجيو البرجوازية على ذر الرماد في عيون الكادحين بتقديم مفاهيم الحرية بما يتوائم مع مصالح الطبقة البرجوازية الرجعية السائدة ـ ان حرية الانسان في المجتمع البرجوازي ليست سوى حرية شكلية ـ لان الانسان هنا عبد للظروف الموجودة وخاضع لها ـ عبد لغرائزه ونزواته التي تعتبر من افرازات وتقيحات النظام الاجتماعي السائد والقائم على الملكية الحاصة ـ الإنسان في المجتمع البرجوازي لا يتمتع بأي قدر من الحرية ـ الا بهذا المعنى الشكلي ـ

وهنا نلمس بوضوح ان كلا التصورين يتناول قضية الحرية بميتافيزيقية عمياء فأحدهم يخضع المسألة برمتها الى الارادة و الاخرى تخضع المسألة برمتها الى القدر والخضوع التام للضرورة.

ان الماركسية نظرت الى قضية الحرية كوعي للضرورة والضرورة هنا هي ضرورة فهم ظروف و قوانين الواقع الموضوعي الموجود بصورة مستقلة عن وعي الانسان و الحرية هنا بالضبط تعني حرية فهم قوانين الواقع الموضوعي لتغييره و تطويعه بما يخدم مصالح الانسان ـ يقول إنجلز في مؤلفه (ضد دوهرينغ) :"الضرورة عمياء طالما هي لم تعرف، ولكن إذا عرفت الضرورة، إذا عرف القانون، وإذا أخضعنا فعله لمصالحنا، فإننا أسياد الطبيعة".

على سبيل المثال لم يكن بمقدور الانسان الصعود الى الفضاء وفق قوانين الجاذبية الارضية وكان عليه أن يفهم هذه القوانين الموجودة بصورة مستقلة عن وعيه ليستخدم فهمه لها بصورة واعية تخدم مصالحه وتمكنه من تطويع الطبيعة لصالحه وعليه فقد قام الانسان بصنع المركبة الفضائية ذات القوة الطاردة او النابذة بسرعة تزيد عن 8 كيلو متر بالثانية الامر الذي مكن الانسان فعلا ً من تحدي قوانين الجاذبية الارضية و الصعود الى الفضاء.

هنا فهم الانسان قوانين الواقع الموضوعي واستخدم فهمه لها بصورة واعية لتطويع هذا الواقع والسيادة عليه.

كذلك الامر في العلوم الاجتماعية ـ لن تتمكن الطبقات الكادحة من افتكاك السلطة من براثن الطبقات الرجعية المهيمنة دون فهم قوانين الواقع الاجتماعي الموجود بصورة مستقلة عن وعيها ومن ثم استخدام فهم هذه القوانين بصورة واعية لتغيير هذا الواقع من خلال الثورة الاجتماعية .

ولكن هذا بطبيعة الحال أيضا ً خاضع لشروط و ظروف الإمكانية و الواقع وهي مفاهيم ديالكتيكية ـ تنعكس وتتحول الامكانية و الواقع احداها الى الاخرى فمن الامكانية يٌخلق الواقع و من الواقع تٌخلق الإمكانية ـ لكن وحتى لا نقع في الفخ البرجوازي علينا أن ندرك أن هناك بالتأكيد نوعين من الإمكانية ـ إمكانية مجردة شكلية ـ و إمكانية حقيقية ـ والفرق ان الإمكانية المجردة الشكلية تنعدم الشروط والمقدمات و القوانين الضرورية لتحقيقها ـ في حين تتوفر هذه الشروط والمقدمات و القوانين الضرورية في الإمكانية الحقيقية .

على سبيل المثال : حديث أيدولوجيو البرجوازية في مسعاهم لتزيين الإمبريالية عن غنى الإمكانيات الكامنة في الرأسمالية بالنسبة للناس البسطاء فهم يذهبون الى أن أي انسان في المجتمع الرأسمالي بمقدوره أن يصبح من اصحاب الملايين وان ينال كل ما يريد ـ الا ان هذه الامكانية شكلية محضة والعامل المسحوق ليس بحاجة للتمتع بإمكانية شكلية لأن يصبح رأسماليا ً بل هو بحاجة الى تلك الإمكانية الواقعية التي تعني خلاصه من الإستغلال والإستثمار و حصوله على عمل وبيت جيد وغذاء وثقافة تجعله سيد وطنه وفي سبيل نجاح العامل في ذلك عليه كما كل الطبقة الاجتماعية الطليعية ان يكشفوا الإمكانية الواقعية اللازمة لذلك و تحديد طرق تطبيقها و العمل وفق هذه الطرق .

إن الإمكانية الحقيقية تتحول الى واقع اذا ما توفرت لها الشروط والمقدمات اللازمة ولا يمكن أن تتحول الامكانية الى واقع دون أكتمال الشروط اللازمة .

على سبيل المثال إن ماركس قد تنبأ بقيام الثورة الاشتراكية في انجلترا كأكثر الدول الصناعية تطورا ً في النصف الثاني من القرن قبل الماضي حيث تطورت الرأسمالية في انجلترا اكثر من اي مكان اخر الا أنه وبفعل عدم اكتمال الشروط والمقدمات اللازمة ذهبت توقعات ماركس ادراج الرياح و اندلعت الثورة في روسيا المتخلفة .

وفي ذات السياق إن بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي لم يكن ممكنا ً على الإطلاق دون العمل بسياسة النيب NEP السياسة الإقتصادية الجديدة كمقدمات وشروط لازمة لنضوج إمكانية بناء الاشتراكية ـ كذلك الامر في الصين فلم يكن من الممكن ان تتحقق الاشتراكية دون المرور بالمقدمات و الشروط الضرورية التي تمثلت بتحقيق الديمقراطية البرجوازية الجديدة .

و في واقعنا العربي إن تحقيق الوحدة العربية لن يكون ممكنا ً دون توفر المقدمات و الشروط اللازمة لذلك فمن هزيمة كافة المشاريع الرجعية و تحقيق السوق المشتركة وقبلها تأطير الجماهير تأطيرا ً تقدميا ً واعيا ً تتحقق الوحدة والتي تعتبر ضرورة تاريخية لا مناص منها .

ان ظفر الاشتراكية و احلال علاقات الانتاج الاشتراكية الجديدة مكان الرأسمالية في كل العالم امكانية تحمل طابع الضرورة وهي ستتحقق لا محالة لكن حتى هذه الامكانية هي بحاجة الى نضوج الشروط و المقدمات و الظروف اللازمة والتي نفهمها ولسنا بمكان التفصيل فيها الان.

ان تحقق الإمكانية في الطبيعة يختلف عنها في المجتمع ـ في الطبيعة يمكن للإمكانية أن تتحول الى واقع بدون تدخل الانسان حيث تتراكم الشروط و المقدمات المسبقة ضمن قوانين معينة وبصورة مستقلة عن وعي ونشاط الناس ـ لكن الإمكانية في المجتمع لا يمكن أن تتحول الى واقع بمعزل عن النشاط الواعي للناس بإستخدام قوانين الواقع فمن خلال فهم الانسان للقوانين الكامنة في أساس الإمكانية يستطيع أن يعجل من تحويل الامكانية الى واقع بنشاطه العملي الواعي ـ ‘ن هذه بال
ضبط مهمة قوى المجتمع التقدمية .
 
Share this post
Repost0
To be informed of the latest articles, subscribe:
Comment on this post