Overblog
Edit post Follow this blog Administration + Create my blog

رُب شرارة أحرقت السهل كله - M. L. M

المدونة الماوية ★ ضد التحريفية

حول الماركسية و العلمانية و إشكاليات التفكير لدى المثقف البرجوازي

 

 

"العلمانية هي الحل"، شعار  يتردد بإستمرار في النقاشات و الحوارات التي تدور في أوساط المثقفين البرجوازيين، و بالطبع فإن المثقف البرجوازي في تناوله لقضايا المجتمتع  لا يمكنه أن يمضي بعيداً عن أفاقه الضيقة و التي تبقيه في النطاق المحدود لنظرته العالمية ، و الإشكالية دائمًا تبدأ من هنا، النظرة الفلسفية الى العالم ، لأن المثقف البرجوازي / البرجوازي الصغير لا يملك الأدوات التي تمكنه من تجاوز حدود تلك النظرة الفلسفية الى العالم في تناوله لقضايا و ظواهر المجتمع و منها قضية الدين، فالمثقف البرجوازي بضيق أفقه كمن يفسر الماء بالماء و دومًا ما تجده عالقًا في القشور دون أن يغوص في أعماق هذه القضايا و الظواهر. 

و الدين ذاته هو القشرة التي لطالما غلفت المجتمع الطبقي، فمنذ إنحلال المشاعية البدائية و إنقسام المجتمع الإنساني الى طبقتين (الأسياد و العبيد)، صارت الأيدولوجيا الدينية ضرورة مُلحة لإدامة و تأبيد هيمنة الطبقات الرجعية المستغلة (بكسر الغين) على المجتمع. 

العلمانية التي يتشدق بها هؤولاء كحل أبدي لكل قضايا المجتمع ، في الواقع هي نتاج و إفراز لتلك الهيمنة الطبقية  كما سنرى لاحقًا.

حديث المثقف البرجوازي عن العلمانية هو أقرب ما يكون الى الرومانسية البرجوازية، و الرومانسية هنا هي النقد الزائف للواقع ، نقد من يتسشدقون بالعلمانية "المجردة" هؤولاء للواقع لا يختلف عن نقد المتدينين للواقع، كلاهما ينطلق من مقدمات خاطئة. 

و لا تساورنا أي شكوك في أن العلمانية في مجتمعاتنا المتخلفة، و التي لم تنجز أي من مراحل تطورها التاريخي تعتبر خطوة الى الأمام ليس لبناء مجتمعات حديثة فحسب، بل هي أيضًا خطوة الى الأمام على طريق الإشتراكية. 

ففي المجتمعات شبه الإقطاعية شبه المستعمرة يعتبر الدين عنصر و مكون أساسي في الهياكل الأيدولوجية و الإجتماعية و حتى السياسية. 

و لو أردنا الحديث بتجرد عن الظاهرة الدينية فإننا حتمًا لا نستطيع إغفال حقيقة ان الدين لا ينبت إلا في بيئة المجتمعات الأشد فقراً و الأكثر بؤسًا و تخلفًا ، فالمادية الديالكتيكية تعلمنا أن الإستلاب الديني من أهم الفواعل في الإنحطاط الإجتماعي بمعناه الطبقي و الثقافي و هو من أهم موانع التطور و الإرتقاء الإجتماعي . 

 

و رغم ان العلمانية تعتبر مسألة تقدمية و راهنية لا و بل ضرورة تاريخية في الظروف الواقعية الملموسة لهذه المجتمعات الا أن الموقف الماركسي من العلمانية بالتحليل الأخير هو ذاته الموققف من الدين، لأننا نتحدث هنا عن نتيجة و سبب فالدين هو السبب و العلمانية هي النتيجة ، حيث تعلمنا المادية  الديالكتيكية بأن السيب و النتيجة يتحول كل منهما الى الأخر في سيرورة الظواهر الإجتماعية، فالدين نفسه يتحول في السيرورة ذاتها من نتيجة الى سبب، لأن الدين كما أسلفنا نتاج لإنقسام المجتمع الى طبقتين. 

و غني عن القول هنا في هذا السياق بأن المادية الديالكتيكية تعلمنا أن ننظر الى كافة الظواهر من منظور فنائها، ولأننا نؤمن بفناء و زوال استغلال الإنسان للإنسان كسبب فإننا نؤمن أيضًا بفناء و زوال الدين كنتيجة ، و بالتالي زوال الدين يصبح السبب في زوال النتيجة (العلمانية). 

عندما تتغير حياة الناس فإن أفكارهم و انطباعاتهم و توجهاتهم سوف تتغير حكمًا لأننا ايضًا نؤمن بأسبقية المادة على الوعي ، الوجود المادي للبشر هو الذي يحدد وعيهم  ، فالدماغ الإنساني كأرفع أشكال المادة تطوراً عبارة عن مادة رمادية تخضع لتأثير المحيط أو الوجود المادي، لكن هذا ليس كل شيء لأن الفكر او الوعي الآنساني المتشكل بفعل الوجود المادي هو أيضًا له دور و تأثير مهم على الواقع بالتبعية، و هذا مالا يستطيع فهمه حتى البعض من أدعياء الماركسية. 

مادة - وعي - مادة ،  هذا هو الإتجاه العام لحركة المعرفة الإنسانية ، و هنا أيضًا نلاحظ تحول المادة الى وعي و الوعي الى مادة ، و في الواقع ان العلمانية بكل تمظهراتها تمثل تعبيراً صريحًا عن هذه العملية ، لأن علمنة المجتمع و تغيير فكره هو القاعدة الإجتماعية للحداثة، فلا يمكن لأي مجتمع شبه اقطاعي شبه مستعمر الا ان يمر و يمضي  في هذا المخاض لتحطيم الهياكل القديمة، فقلب و تغيير نمط تفكير المجتمع سيؤثر بلا مراء على القاعدة المادية ، على غرار ما حدث في الصين الماوية إبان الثورة الثقافية العظمى ، لأن الثورة الثقافية لعبت دوراً حاسمًا في قلب و تغيير نمط تفكير الناس الذي خضع لمدة طويلة لمؤثرات رجعية قروسطية على غرار الكونفشيوسية و التاوية و غيرها ، الثورة الثقافية كانت بمثابة النقلة النوعية التي غيرت الصين، و ما زالت الصين تجني ثمار تلك الثورة الثقافية، مهما حاول البعض القفز عن هذه الحقيقة و إغفالها  ، لأن التاريخ لا يمكن أن يكون مجرد حلقات منفصلة و متباعدة . 

و بما اننا نتحدث عن الصين الماوية، يجدر بنا أن نتطرق الى المفهوم الماوي للدولة العلمانية الديمقراطية الحديثة ، فأطروحة ماو حول الديمقراطية الجديدة تعتبر من أهم الإسهامات الماوية في علم الشيوعية ، لأن البعض من الماركسيين يقعون في فخ المثقفين البرجوازيين و يذهبون الى حد إنكار أهمية هذه المرحلة. 

ان الديمقراطية الجديدة هي التعبير الماوي عن الدولة العلمانية الحديثة و الفرق انها ديمقراطية حقيقة من النوع الجديد، بحكم أن الديمقراطية القديمة التي أنجزتها البرجوازية قد عفى عليها الزمن منذ أن تحولت البرجوازية من طبقة ثورية الى طبقة رجعية محافظة ، و بالتالي لم يعد لها اي مستقبل تاريخي، الديمقراطية دائماً تقودها الطبقة الإجتماعية الطليعية ، ولأن الطبقة العاملة هي طليعة المجتمع وهي الطبقة الثورية الوحيدة ، و الوحيدة التي تحظى بمستقبل تاريخي لأنها الوحيدة التي تناضل من أجل عالم جديد خالي من كافة أشكال الاستغلال و الاضطهاد، و بالتالي هي ديمقراطية جديدة لأنها تحت قيادة الطبقة الطليعية الجديدة. 

في هذه المرحلة تضطلع القوى الطليعية صاحبة المستقبل  التاريخي المتمثلة بالطبقة العاملة و حزبها الشيوعي بدورها التاريخي المنوط بها في قلب و تغيير المجتمع بكافة المجالات السياسية و الاقتصادية و الأيدولوجية لإيجاد السياق التاريخي للإشتراكية، فلا يمكن أن تبنى الاشتراكية بثورة واحدة في البلدان شبه الإقطاعية شبه المستعمرة التي لم تنجز ثورتها البرجوازية بعد،  حرق الخطى و المراحل هذا  ضرب من التحريفية التي انتهجها امثال فيدل كاسترو و فشلوا و أثبت التاريخ فشلهم. 

في هذه البلدان لا يمكن أن تنضج الشروط الموضوعية و التاريخية للإشتراكية الا بالمرور بمرحلة الديمقراطية الجديدة . فهي ديمقراطية جديدة بأفاق إشتراكية ، تكون علمنة المجتمع و تغيير فكره من السمات البارزة فيها. 

و علمنة المجتمع قطعًا لا تعني التسلط و الإكراه، بل هي في منظورنا وسيلة لفتح أفاق أوسع في سبيل تغيير فكر المجتمع ، فليس من العدل أن نجعل الناس يتركون معتقداتهم عنوةً بالتسلط و الإكراه بل على العكس ، حين تكون حرية الإعتقاد مصانة بالتزامن مع النضال الإيدولوجي و الطبقي لتغيير المجتمع فإن هذا سيكون من شروط و  مقدمات تداعي الأيدولوجيا الدينية، و هذا يحيلني تلقائياً الى ما قاله القائد المعلم ماو تسي تونغ في هذا السياق، ماو كان قد عمل على حماية الحق في الإعتقاد و قال ان هذا من شأنه أن يساعد على تطوير القوى المنتجة ، و بالتالي تغيير حياة الناس و القضاء على الطبقية لتصبح الأيدولوجيا الدينية حينها بلا معنى بحكم إنتفاء السبب الموضوعي لوجودها ، فزوال السبب يؤدي حكما ً اللى زوال النتيجة كما اشرنا سابقاً. 

وتعبيراً عن هذه الفكرة  هناك قول مأثور للقائد ماو يقول فيه : "ان الفلاحين هم من صنع اصنامهم وهم من سيطرحها أرضًا و لن يفعل أحد ذلك بالنيابة عنهم". 

 و في ذات السياق نقرأ حول موقف ماركس من المسألة العلمانية في رده على برونو باور حين قال في المسألة اليهودية ان تحرر الإنسان سياسياً من الدين يبدأ عبر إقصائه من الحقل العام إلى الحقل الخاص. أي تحرر الدولة من الدين، بإلغاء الدين من الحياة السياسية عبر إلغاء ما يسمى بالدولة الدينية.

و لا يعتبر إلغاء الدور السياسي للدين  إلغاء للدين ذاته.  لكن هذا على كل حال يعتبر خطوة تقدمية كبيرة حقاً للتأسيس لما هو أبعد.

ماركس هنا يقول أن التحرر السياسي، وكل المفاهيم الديمقراطية العلمانية التي أنتجها عصر التنوير، وبدا أن البرجوازية هي الحامل التاريخي لها، هي ليست نهاية المطاف رغم أنها تمثل مستوى في تحرر الإنسان وهو المستوى السياسي، الذي يعتبر خطوة تقدمية هائلة، ومرحلة انتقالية مهمة على طريق تحرر الإنسانية.

 بالنسبة لماركس فإن "الدولة العلمانية" لا تعارض الدين  ولكن تؤسس لما هو أبعد ، وينتهي ماركس إلى أنه في حين يمكن للدولة العلمانية أن تضمن حريات دينية و سياسية للأفراد ،  لكن هذا لن  يكسر القيود المادية على الحرية الانسانية بسبب عدم المساواة الاقتصادية. 

بمعنى أنه أدرك بأن الحل العلماني لا يمكن أن يكون حلاً نهائيًا لكافة قضايا المجتمع ، لأن القيود الإقتصادية لا يمكن كسرها الا بالممارسة الواعية للصراع الطبقي و فهم و إدراك قوانين المجتمع و ترجمة هذا الفهم من خلال الثورة الإجتماعية ، فالعلمانية ليست حلاً طبقياً لمشاكل الصراع الطبقي ، رغم انها تؤسس لمراحل حاسمة في هذا السياق. 

إن الأيدولوجيا الدينية ببناها المنهجية  كما ترشدنا المادية الديالكتيكية و المادية التاريخية تعتبر شكلاً  للإيدولوجيا الإقطاعية - ما قبل الرأسمالية - و في الواقع ان المجتمعات و الدول الأوروبية الحديثة كمجتمعات و دول نشأت و تبلورت بفعل التناقض ما بين الرأسمالية و الإقطاع  مرت بدروب طويلة و خاضت مخاضات عسيرة على طريق حل هذا التناقض و بناء المجتمعات الحديثة و تحييد سلطة الكنيسة، و وضع الدين في نطاق الكنيسة فقط بإقصائه نهائياً من الحياة السياسية. 

لقد أنجزت البرجوازية الأوروبية مشروعها الثوري ضد الآقطاع وسلطة الدين على أكمل وجه، و وجه فلاسفة عصر التنوير سياط النقد للدين و أكملوا هذه المهمة على نحو دفع ماركس ليقول قولته الشهيرة " من نقد السماء الى نقد الأرض" . 

لكن وكما نعلم، فإن البرجوازية الأوروبية أدركت حاجتها الى الدين بعد أن أوجدت نقيضها (البروليتاريا) ولكبح جماح تمرد البروليتاريا الصاعدة  سارعت البرجوازية الى نسج تحالفها  مع الكنيسة لتأبيد هيمنتها على المجتمع ، ليتحول الشيء الى نقيضه و تتحول البرجوازية من طليعة إجتماعية ثورية الى طبقة رجعية محافظة. 

 العلمانية التي ينادي بها المثقفون البرجوازيون كحل لقضايا المجتمع ولدت من رحم هذا التحالف البراغماتي بين البرجوازية  و الكنيسة ، فالبرجوازية أدركت انها لا تستطيع التخلي عن الدين فأعادت الإعتبار للكنيسة و رجال الكنيسة الذين اخذوا حصتهم من الناتج الإجتماعي الذي تنتجه البروليتاريا ، بمعنى أدق اخذوا حصتهم من عرق الكادحين الذي كانت تسرقه البرجوازية. 

و في خضم ذلك ، أخذ الإصلاح الديني مجراه في اوروبا الغربية، فالمفاهيم الإقطاعية القديمة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية صارت عبئًا لا يطاق لدى المجتمعات التي تتلمس خطاها على طريق الحداثة، و من اجل تطوير القوى المنتجة كان الإصلاح الديني ضروريًا ، فالإصلاح الديني كان بمثابة القاعدة الإجتماعية للرأسمالية ، لأن الكالفينية ،  و هي مدرسة اصلاحية بروتستانتية في اوروبا ،  كانت تنادي بأهمية العمل الجاد ليحظى الفرد بالنعمة و الرزق كتعبير عن النجاح الدنيوي و الخلاص الفردي ، لذلك قال الفيلسوف الألماني ماكس فيبر أن البروتستانتية تتناسب مع الرأسمالية، في حين أن الكاثوليكية التي تنادي بطاعة الرب و تدور في فضاء الثواب و العقاب تتناسب اكثر مع الإقطاعية. 

و هذا ما يؤكده واقع الدول الرأسمالية المتطورة على غرار بريطانيا و هولندا و المانيا و الدول الإسكندنافية و سويسرا و الولايات المتحدة و كندا نجدها خاضعة للهيمنة الفكرية البروتستانتية ، كان هذا الإصلاح يتناسب مع انفتاح أفاق الحداثة و العلمانية .

 

ان العلمانية و الحريات المدنية  من منظورنا ليست حلاً نهائياً ، بل هي مرحلة تاريخية انتقالية مهمة موضوعيًا تنضج فيها الشروط لعبور التاريخ نحو مجتمع أرقى تنتهي فيه كافة أشكال الإستغلال و الإضطهاد، ولأن المادية الديالكتيكية (الماركسية اللينينية الماوية) كأرقى ما توصل اليه و أبدعه الفكر الإنساني ترشدنا على التعاطي مع كافة الظواهر من منظور فنائها ، فإن العلمانية مسألة لا بد  ان نعيها كضرورة تاريخية، و المفهوم الماركسي للحرية هو وعي الضرورة بفهم قوانينها ، لكن هذه الضرورة ليست هي  نهاية المطاف ، لأن المادية الديالكتيكية هي نهج التخطي بإمتياز بالنفي و التأكيد ، كل مرحلة من عمر المجتمعات البشرية تنفي ما قبلها و تؤكد ما بعدها الى أن يصل المجتمع الى المرحلة العليا (الشيوعية) كما علمنا القائد العظيم ماو تسي تونغ  ، نهج التخطي : تخطي الإستغلال و الإضطهاد، تخطي الدين، تخطي العلمانية، تخطي الدولة، و هذه ليست مجرد طوباويات ، بل هي أهداف واقعية قابلة للتحقق اذا ظل التقدم  قانون المستقبل كما كان قانون الماضي. 

 

 

Share this post
Repost0
To be informed of the latest articles, subscribe:
Comment on this post